عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
38
اللباب في علوم الكتاب
وقال آخرون : القبلة هي الكعبة ، والدليل عليه ما أخرج في « الصحيحين » عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ، قال : أخبرني أسامة بن زيد ، قال : إنه لمّا دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ، ولم يصلّ حتى خرج منه ، فلما خرج صلى ركعتين في قبل الكعبة ، وقال : هذه القبلة « 1 » . قال القفال : وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة . وفي خبر البراء بن عازب : ثم صرف إلى الكعبة ، وكان يحبّ أن يتوجّه إلى الكعبة . وفي خبر ابن عمر في صلاة أهل قباء : فأتاهم آت فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حول إلى الكعبة . وفي رواية ثمامة بن عبد اللّه بن أنس : جاء منادي رسول اللّه ، فنادى أن القبلة حولت إلى الكعبة . هكذا عامة الروايات . وقال آخرون : بل المراد المسجد الحرام الحرم كلّه ، قالوا : لأن الكلام يجب إجراؤه على ظاهر لفظه ، إلّا إذا منع منه مانع . وقال آخرون : المراد من المسجد الحرام الحرم كلّه ، والدليل عليه قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ الإسراء : 1 ] وهو - عليه الصلاة والسلام - إنما أسري به خارج المسجد ، فدلّ هذا على أن الحرم كله مسمى بالمسجد الحرام . وقوله تعالى : « وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ » في « حيثما » هنا وجهان : أظهرهما : أنها شرطية ، وشرط كونها كذلك زيادة « ما » بعدها خلافا للفراء ، ف « كنتم » في محلّ جزم بها ، و « فولّوا » جوابها ، وتكون هي منصوبة على الظرف ب « كنتم » فتكون هي عاملة فيه الجزم ، وهو عامل فيها النصب نحو : أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] . واعلم أن « حيث » من الأسماء اللازمة للإضافة فالجملة التي بعدها كان القياس يقتضي أن تكون في محلّ خفض بها ، ولكن منع من ذلك مانع ، وهو كونها صارت من عوامل الأفعال . قال أبو حيان : وحيث هي ظرف مكان مضافة إلى الجملة ، فهي مقتضية للخفض بعدها ، وما اقتضى الخفض لا يقتضي الجزم ؛ لأن عوامل الأسماء لا تعمل في الأفعال ، والإضافة موضحة لما أضيف ، كما أن الصلة موضحة ، فينافي اسم الشرط ؛ لأن اسم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 1 / 176 ) كتاب الصلاة باب قول اللّه تعالى : « وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى » ( 398 ) ومسلم ( 1 / 376 - 377 ) وأحمد ( 5 / 210 ) .